20-9-2012

نُشرت في الكويت | لا تعليقات

فيديو: مؤتمر الجبهة الوطنية حول المذكرة التي قدمتها لتفنيد حجج الحكومة في طعنها بقانون الإنتخاب

 

الجبهة الوطنية لحماية الدستور تعلن من على لسان منسقها العام أحمد الديين عن تقديم مذكرة برأي دستوري حول مذكرة الحكومة بالطعن في الدوائر الإنتخابية (الخمس دوائر والأربعة أصوات) تم تقديمها إلى رئيس الوزراء ورئيس مجلس القضاء الأعلى ومرفق مع الخطابين رأي دستوري من 27 صفحة يفند الحجج والذرائع التي وضعتها الحكومة بطعنها..

فيديو المؤتمر الصحفي.. يشرح فيه أحمد الديين والمحامي محمد الجاسم المذكرة التي قدمتها “الجبهة” أسباببها وأهدافها:

رابط

فيديو تقرير قناة اليوم حول المؤتمر ..

رابط

تابعوا الحساب الرسمي لـ “الجبهة الوطنية” على التويتر:

[email protected]

وجاء نص المذكرة كالتالي :

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)

رأي دستوري

حول الطعن المقدم من الحكومة أمام المحكمة الدستورية

بشأن عدم دستورية القانون رقم (42) لسنة 2006

بإعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الأمة

أقامت الحكومة طعنها بعدم دستورية القانون رقم (42) لسنة 2006 بإعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الأـمة على أساس مخالفة المادة الأولى والمادة الثانية منه لمبادئ (العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، فضلا عن التمايز بين الناخبين). وتزعم الحكومة أن القانون يخالف نصوص المواد (7، 8، 29، 108) من الدستور. وذهبت الحكومة في صحيفة الطعن إلى أن زيادة التفاوت في أعداد الناخبين في دائرة عن أخرى جعل للصوت الانتخابي قيمة نسبية تزيد على الضعف في منطقة عن منطقة أخرى، وأن هذا التفاوت هو ما يخل بمبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص.

وبالاطلاع على نصوص الدستور المشار إليها، نجد أن المادة (7) تنص على أن “العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع والتعاون والتراحم صلة وثقى بين المواطنين.”

وتنص المادة (8) على أنه “تصون الدولة دعامات المجتمع وتكفل الأمن والطمأنينة وتكافؤ الفرص للمواطنين”.

وتنص المادة (29) على أن “الناس سواسية في الكرامة الإنسانية وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين”.

وتنص المادة (108) على أن “عضو المجلس يمثل الأمة بأسرها ويرعى المصلحة العامة، ولا سلطان لأي هيئة عليه في عمله بالمجلس أو لجانه”.

وإذا كانت الغايات السياسية هي التي تقود الحكومة في تقديم الطعن بعدم دستورية قانون الدوائر الخمس، فإن الضوابط الدستورية والقانونية الموضوعية والمحايدة لا تسعف الحكومة في تحقيق غاياتها السياسية حتى وإن تدثرت برداء زائف هو المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص كما سيتضح لنا بعد قليل.

فضلا عن ذلك، فإنه لا يسع المحكمة الدستورية مسايرة الحكومة في طعنها على القانون ولا الأخذ بحججها والحكم بعدم دستورية القانون، ذلك أنه كي تقضي المحكمة بعدم دستورية القانون، فإن عليها أن تتخلى بالكامل عن تراثها الدستوري ومبادئها التي تبنتها منذ تأسيسها. ومن تلك المبادئ، ما استقرت عليه المحكمة بشأن عدم اختصاصها بنظر المنازعات المتعلقة بآثار وتبعات تطبيق القانون أو بالسياسة التشريعية أو بملاءمة التشريع أو بواعثه أو بالسلطة التقديرية للمشرع، ومنها أيضا ما استقرت عليه المحكمة بشأن اشتراط توافر المنازعة والجدية والمصلحة لقبول الطعن شكلا.

وبالتالي فإن الحكم الذي يتفق مع القواعد التي قررتها المحكمة الدستورية ومع قانونها، هو إما عدم اختصاص المحكمة بنظر الطعن لأنه ينصب على آثار ونتائج القانون لا على نصوص القانون، أو عدم قبول الطعن شكلا لانتفاء المنازعة، أو لانتفاء الجدية، أو لانتفاء المصلحة.

وحتى لو افترضنا جدلا أن المحكمة الدستورية قررت التخلي عن تراثها وما استقرت عليه من مبادئ، واتجهت نحو قبول الطعن شكلا وقررت اختصاصها بنظر الطعن، فإن الطعن حري به الرفض حتى في الشق الموضوعي، وبيان ذلك كله فيما يلي:

أولا: في شأن عدم اختصاص المحكمة بنظر الطعن

(1) التفاوت بين أعداد الناخبين هو أثر من آثار القانون ونتائجه وليس نصا من نصوصه

تنحصر رقابة المحكمة الدستورية في نطاق النصوص التشريعية، ولا تمتد إلى خارج تلك النصوص بأي حال من الأحوال. والمقصود بالنصوص التشريعية هو القوانين المراسيم والقرارات متى تضمنت قواعد عامة مجردة. وبالطبع فإنه من غير المتصور عقلا أن تحكم المحكمة بعدم دستورية بيانات أو تطبيقات أو نتائج النصوص التشريعية. كما لا تخضع لرقابتها ملاءمة التشريع أو بواعثه.

وفي هذا الاتجاه، قررت المحكمة الدستورية في العديد من أحكامها: “كما أنه من المستقر عليه في قضاء هذه المحكمة أن رقابتها القضائية على الدستورية إنما تنبسط على التشريعات كافة وذلك على اختلاف أنواعها ومراتبها، وسواء أكانت تشريعات أصلية أقرتها السلطة التشريعية، أم كانت تشريعات فرعية صادرة من السلطة التنفيذية، شاملة أية قاعدة قانونية متسمة بطابع العمومية والتجريد واجبة الاتباع في صدد ما صدرت بشأنه..”.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (14) لسنة 2005 دستوري بتاريخ 29 مايو 2006)

وقررت أيضا: “وحيث أن الرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة على دستورية التشريعات مناطها مخالفة التشريع لنص في الدستور، ولا تشمل بحث حالات التعارض بين القوانين، ولا شأن لها بالسياسة التشريعية التي ينتهجها المشرع، أو النظر في مدى ملاءمة التشريع أو ضرورته، أو التنقيب عن بواعث إصداره، أو تقدير آثار تطبيقه وتبعاته، لانحسار هذا الاختصاص أصلا عنها..”.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (14) لسنة 2006 دستوري بتاريخ 12 يونيو 2007)

إن القواعد السابقة التي قررتها المحكمة الدستورية وهي في سبيل تحديد نطاق اختصاصها بديهية، وهي من مقتضيات إعمال نص المادة (50) من الدستور الذي يقرر مبدأ الفصل بين السلطات، فلو قبلت المحكمة الدستورية مراقبة تطبيق القانون ونتائجه وآثاره وبواعث إصداره ومدى ملاءمته، ولو أنها تدخلت في مراقبة السلطة التقديرية للمشرع، لو حدث شيء من ذلك، لانهار مبدأ الفصل بين السلطات، ولأصبحت المحكمة الدستورية سلطة أعلى من المشرع.

إن مهمة المحكمة الدستورية محددة بوضوح، وهي لا تتعدى البحث عما إذا كان النص التشريعي المطعون عليه يخالف نصا محددا في الدستور، فالخصومة الدستورية تدور في فلك نصوص التشريع المطعون عليه ونصوص الدستور فقط. ولذلك كثيرا ما نجد المحكمة الدستورية تتطلب لقبول الطعن شكلا قيام الطاعن بتحديد النص التشريعي المطعون عليه تحديدا نافيا للجهالة، وتحديد النص الدستوري الذي يدعي الطاعن أن التشريع يخالفه وبيان وجه المخالفة. وبغير هذا التحديد، جرى قضاء المحكمة الدستورية على عدم قبول الطعن.

وقد قررت المحكمة أن بيان النص التشريعي المطعون بعدم دستوريته والنص الدستوري المدعى بمخالفته، وأوجه المخالفة هي بيانات جوهرية للمسألة الدستورية.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (13) لسنة 2005 دستوري بتاريخ 32 مايو 2005)

وقررت أيضا أن الخصومة الدستورية توجه “أساسا إلى النص التشريعي المدعى بعدم دستوريته استهدافا لمراقبته واستظهار مدى انضباطه داخل أطر الشرعية الحاكمة وهو أمر يتجلى معه النص التشريعي موضوع الخصومة أصلا وجوهرا ومحلا للدعوى فتنصب عليه وتتحدد بنطاقه وتدور بفلكه، يحركها مقتضيات ودواعي الالتزام بالشرعية وموجبات الامتثال لأحكام الدستور في إطار تحقيق المصلحة العامة واستقرار النظام العام..”.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (14) لسنة 2006 دستوري بتاريخ 1 إبريل 2007)

وفي حكم آخر، قررت المحكمة الدستورية أن “طلب الحكم بعدم الدستورية إنما ينصب على قانون أو مرسوم بقانون أو لائحة، وهو ما يتحدد به نطاق الرقابة المقصودة للمحكمة الدستورية دون غيره من المنازعات، وأنه من المسلم به أن المقصود بالقانون بمعناه الاصطلاحي الفني هو ما يصدر من السلطة التشريعية من قواعد تنظيمية عامة طبقا للإجراءات الدستورية المقررة، أما المراسيم بقوانين فيقصدها بصفة عامة النصوص التشريعية التي تصدر من السلطة التنفيذية في الحالات التي تصدر فيها القوانين ويكون لها ما للقوانين من قوة ملزمة، أما اللوائح فهي التشريعات الفرعية التي تصدر من السلطة التنفيذية في حدود اختصاصها الدستوري..”. وقد استبعدت المحكمة من نطاق رقابتها ما لا يعد تشريعا.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (1) لسنة 1994 دستوري بتاريخ 17 مايو 1994)

إن الخلاصة التي نصل إليها من الأحكام السابقة هي أن الطعن بعدم الدستورية يجب أن ينصب على قاعدة عامة مجردة، أي على نص تشريعي. وأن المحكمة الدستورية لا تراقب تطبيقات النص التشريعي ولا آثار تلك التطبيقات ولا البواعث التي تقف وراء إصدار التشريع، ولا تراقب السلطة التقديرية للمشرع.

وبالاطلاع على القانون رقم (42) لسنة 2006 المطعون عليه، يتضح لنا أنه يتكون من أربع مواد، ومرفق به جدول يعد جزء منه وفق التفصيل التالي:

المادة الأولى تنص على “تقسم الكويت إلى خمس دوائر انتخابية لعضوية مجلس الأمة طبقا للجدول المرافق لهذا القانون”. وبالطبع فإنه ليس ثمة مخالفة دستورية في تقسيم الكويت إلى دوائر انتخابية، بل أن المادة (81) من الدستور تنص على أنه “تحدد الدوائر الانتخابية بقانون”. وبالتالي فإن تقسيم الكويت إلى عدد من الدوائر، يتفق مع نص تلك المادة الدستورية.

وقد قسمت المادة الأولى من القانون الكويت إلى خمس دوائر. وبالطبع فإنه لا يوجد نص في الدستور يحدد عدد الدوائر، وبالتالي فمن سلطة المشرع العادي تحديد عدد الدوائر الانتخابية بخمس أو بواحدة أو أي عدد آخر.

وأشارت المادة الأولى من القانون إلى أن الجدول المرافق للقانون يوضح الدوائر الخمس. وليس في هذه الفقرة ثمة مخالفة للدستور. أما بالنسبة للجدول فإنه يعتبر جزءاً لا يتجزء من القانون.

وبالاطلاع على الجدول المرافق، يتضح أنه تضمن العبارة التالية:

“الجدول المرافق للقانون رقم (42) لسنة 2006 بإعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الأمة”. ثم وردت عناوين فرعية في الجدول على النحو التالي:

“الدائرة الانتخابية الأولى: وتتكون من.. ” ثم ورد تحت هذا العنوان أسماء المناطق السكنية التي تتكون منها الدائرة الأولى.. وهكذا تكرر الأمر بالنسبة للدوائر الأربع الأخرى. ولم يتضمن الجدول بيانات رقمية إطلاقا. وبالتالي فإنه لا يمكن، بأي حال من الأحوال، القول بأن الجدول المرافق للقانون بمكوناته يعتبر مخالفاً للدستور، فهذا الجدول تضمن المناطق السكنية التي تتكون منها كل دائرة انتخابية. وبالطبع فإن الدستور لا يحدد ولا شأن له في ما إذا كانت منطقة كيفان، على سبيل المثال، جزءاً من الدائرة الثالثة أو الدائرة الثانية، ولا علاقة له في اعتبار ضاحية صباح الناصر جزءاً من الدائرة الرابعة.

وبذلك نخلص إلى أن حجة الحكومة بشأن عدم دستورية المادة الأولى من القانون في نصها الوارد في متن القانون أو في الجدول الذي أشارت إليه، حجة باطلة.

أما بالنسبة للمادة الثانية من القانون فقد نصت على أنه “تنتخب كل دائرة عشرة أعضاء للمجلس، على أن يكون لكل ناخب حق الإدلاء بصوته لأربعة من المرشحين في الدائرة المقيد فيها، ويعتبر باطلا التصويت لأكثر من هذا العدد”.

وبالتأكيد فإنه لا توجد مخالفة دستورية حين يقرر القانون أنه تنتخب كل دائرة انتخابية عشرة أعضاء، فالدستور لا يحدد عدد الأعضاء الذين يمثلون الدائرة، بل أن الدستور نص في المادة (108) على أن “عضو المجلس يمثل الأمة بأسرها..”، وبالتالي فإن تحديد عدد الأعضاء الذين تنتخبهم كل دائرة انتخابية بعشرة أعضاء لا يخالف الدستور. فالدائرة الانتخابية تنتخب العدد المحدد ويبقى كل عضو يمثل الأمة بأسرها.
كذلك الأمر، حين يحدد القانون عدد الأصوات التي يملكها كل ناخب بأربعة أصوات، فإن هذا التحديد لا يخالف أي نص دستوري، مالم تذهب المحكمة الدستورية إلى وجوب تطابق عدد الأصوات التي يملكها الناخب مع عدد الأعضاء الذين تنتخبهم الدائرة، وهذا يعني أن تقرر المحكمة عدم دستورية العدد (4) وتوجه المشرع إلى وجوب جعله (10).

وبالطبع، فلا شبهة دستورية حين يقرر القانون بطلان التصويت لأكثر من أربعة، إذ ليس في الدستور نص يسمح للناخب بالتصويت لعدد غير محدد من المرشحين.

أما المادة الثالثة والمادة الرابعة من القانون فلم تطعن الحكومة بعدم دستوريتهما، فالمادة الثالثة تنص على إلغاء التنظيم السابق للدوائر الانتخابية، فيما تنص المادة الرابعة على تنفيذ القانون.

أما عن الجدول المرافق للقانون فإنه لا يحتوي على أعداد الناخبين، وإنما يبين المناطق التي تتكون منها كل دائرة انتخابية. أما جداول الناخبين التي تتضمن أعدادهم، فأيا كان مقدار توفر المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص فيها، فإنها ليست جزء من القانون، وبالتالي لا يمكن الحكم بعدم دستوريتها لخروجها عن نطاق رقابة المحكمة.

فضلا عن ذلك، فإن جداول الناخبين التي تتضمن عددهم في كل دائرة، ليست من قبيل القاعدة العامة المجردة، بل هي بيانات متغيرة، وهي أثر من آثار تطبيق القانون، فإذا كان في تلك الجداول أي مظهر من مظاهر عدم المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، فإن هذا كله يعتبر تبعة من تبعات تطبيق القانون، وهذا كله يخرج عن نطاق رقابة المحكمة الدستورية.

إن تحديد عدد الدوائر بخمس (المادة 1 من القانون) لا يتعارض مع أي نص دستوري. كما أن تحديد عدد أعضاء مجلس الأمة الذين تختارهم كل دائرة بعشرة أعضاء (المادة 2 من القانون) لا يخالف أي نص دستوري. كما أن تحديد عدد الأصوات التي يملكها الناخب بأربعة أصوات (المادة 2 من القانون) لا يخالف أي نص دستوري. كما أن تحديد المناطق التي تدخل في نطاق كل دائرة انتخابية (الجدول المرافق للقانون) لا يخالف أي نص دستوري. أما تفاوت عدد الناخبين في الدوائر فهو أثر من آثار تطبيق القانون، والإخلال بالمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص هو تبعة من تبعات القانون ونتيجة من نتائج تطبيقه وأثر من آثاره، وهذا كله يخرج عن نطاق رقابة المحكمة الدستورية، وبالتالي فإن التفاوت في أعداد الناخبين لا يجيز للمحكمة الدستورية الحكم بعدم دستورية القانون لخروجه عن رقابة المحكمة الدستورية.

لما كان ذلك، وكانت الحجج التي ساقتها الحكومة للتوصل إلى عدم دستورية نصوص القانون رقم (42) لسنة 2006 والجدول المرافق له، متهافتة، وكان مبنى الطعن المقدم من الحكومة هو تطبيقات القانون ونتائجه وآثاره لا نصوصه وقواعده العامة المجردة، فإن الواجب على المحكمة الدستورية أن تحكم بعدم اختصاصها بنظر الطعن.

ويؤيد هذا الرأي، ما سبق أن قررته المحكمة الدستورية وهي بصدد تحديد كيفية التوصل إلى الحكم بعدم دستورية التشريع، إذ قررت: “كما أنه غني عن البيان أن هذه المحكمة في مجال إعمال ولايتها وبسط رقابتها على النص التشريعي المختصم للتحقق من مطابقته أو عدم مطابقته للدستور تتخذ من ظاهر النص أساسا لفحص مدى دستوريته، وأن قرينة الدستورية تصاحبه بحسبان أن الأصل في القوانين هو مطابقتها لأحكام الدستور ما لم تنقض هذه القرينة بدليل قطعي يكون بذاته نافيا على وجه الجزم لدستورية النص المطعون فيه، ويكون التعارض بين هذا النص وبين الدستور واضحا جليا، قاطعا صريحا..”.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (14) لسنة 2006 دستوري بتاريخ 12 يونيو 2007)

(2) جداول الناخبين ليست جزءاً من قانون الدوائر الانتخابية بل هي نتاج تنفيذ قانون الانتخابات، وهي ليست قاعدة عامة مجردة:

أيا ما كان وجه الرأي في الدفاع السابق، فإنه لا يسع المحكمة الدستورية الحكم بعدم دستورية القانون رقم (42) لسنة 2006 بإعادة تحديد الدوائر الانتخابية إلا إذا فحصت ودرست جداول الناخبين التي تضم أعداد الناخبين في كل دائرة، ثم تشيد عليها دعائم حكمها. إن هذا أمر غير مقبول على الإطلاق، فالجداول الانتخابية ليست قاعدة عامة مجردة وبالتالي فإنها ليست تشريعا بأي صورة كانت من صور التشريع، بل هي مجرد سجلات ذات مضمون متغير. وبالتالي فلا يسع المحكمة الدستورية الاستناد إليها في الحكم بعدم دستورية القانون.

فضلا عن ذلك، فإن جداول الناخبين ليست جزءاً من القانون المطعون عليه، بل يتم تحريرها وإعداها وفق نص المادة (6) من القانون رقم (35) لسنة 1962 في شأن انتخابات أعضاء مجلس الأمة، وهو قانون يختلف عن القانون رقم (42) لسنة 2006 بإعادة تحديد الدوائر الانتخابية، ولم تطعن الحكومة بعدم دستورية قانون الانتخابات الذي تنص مادته السادسة على أنه “يكون بكل دائرة انتخابية جدول انتخاب دائم أو أكثر تحرره لجنة أو لجان مؤلفة من رئيس وعضوين، ويكون تقسيم اللجان وتأليفها وتحديد مقرها بقرار من وزير الداخلية”، وتنظم المواد اللاحقة كل ما يتصل بتحرير الجدوال.

وبالاطلاع على صحيفة الطعن، يتضح لنا أن الحكومة استعانت (بجداول الانتخاب) التي جاءت تنفيذا لقانون الانتخابات، لإسناد مزاعمها بعدم دستورية قانون الدوائر الانتخابية، إذ قالت الحكومة: “وبناء على الجدول المرافق لهذا القانون فإن أعداد الناخبين المقيدين في جداول الانتخاب حسب الدوائر وفقاً لآخر تعديل عام 2012 هو كالتالي..”. أي أنه لا يسع الحكومة إثبات عدم دستورية قانون الدوائر بذاته.

ولعله من البديهي القول إن (جداول الناخبين) التي ينظمها قانون الانتخابات تختلف عن (جدول المناطق) المرافق لقانون الدوائر الانتخابية. وليس بإمكان المحكمة الدستورية أن تستند على جداول تحرر تنفيذا لقانون الانتخاب للوصول إلى عدم دستورية قانون الدوائر.

وبالإضافة إلى ما سبق، فإنه حتى لو رغبت المحكمة الدستورية في الاستناد على جداول الناخبين التي تعد وفق قانون الانتخابات كمدخل للحكم بعدم دستورية قانون الدوائر الانتخابية، فإن هذه الجداول ذات مضمون متغير وذلك تبعا لعمليات القيد والحذف والإضافة فيها وفق النظام الذي وضعه المشرع في قانون الانتخابات كما يتضح من الجدول التالي:

الدائرة عدد الناخبين في 2006 عدد الناخبين في 2012 الزيادة نسبة التغيير الأولى 63228 74876 11648 +18% الثانية 39310 47772 8462 +22% الثالثة 55141 73065 17924 +33% الرابعة 90036 108395 18359 +20% الخامسة 92533 118461 25928 +28% المجموع 340248 422569 82321 +24% إن التغيير الذي يطرأ على جداول الناخبين هو تغيير سنوي مرتبط بتحديث بيانات الناخبين وفق قانون الانتخابات، وبالتالي فإنها لا تصلح لاستخدامها عتبة لبلوغ الحكم بعدم دستورية قانون الدوائر.

ثانيا: عدم قبول الطعن شكلا

المنازعة منتفية، والجدية غائبة، والمصلحة غير موجودة

مع إصرارنا على رأينا السابق بشأن وجوب الحكم بعدم الاختصاص، فإنه وعلى فرض أن المحكمة قررت أنها مختصة بنظر الطعن، فإن الطعن غير مقبول شكلا للأسباب التالية:

(1) انتفاء المنازعة الدستورية:

تختص المحكمة الدستورية وفق قانونها بتفسير نصوص الدستور وبنظر المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين والمراسيم واللوائح. ووفقا للقانون، فإن تقديم طلب تفسير نصوص الدستور متاح لمجلس الأمة منفردا ولمجلس الوزراء منفردا أيضا. وقد دار نقاش قانوني حول مناسبة تقديم طلبات التفسير، وهل يجب أن يقدم طلب التفسير بعد وقوع اختلاف في الرأي بين مجلس الوزراء ومجلس الأمة حول موضوع محدد، أم يجوز تقديم الطلب دون اشتراط وجود مثل هذا الخلاف.

القانون لم يتبن رأيا صريحا ومحددا في هذه المسألة، وبالتالي فقد تولت المحكمة الدستورية بيان ضوابط تقديم طلبات التفسير، وكان ذلك بمناسبة تقديم الحكومة طلب تفسير في العام 1985 الذي سعت من خلاله إلى الحصول على تفسير المحكمة الدستورية لنص الفقرة الأولى من المادة (65) من الدستور. وأمام المحكمة، دفع مجلس الأمة بعدم قبول الطلب لأنه ليس هناك خلاف حول النص الدستوري المراد تفسيره. إلا أن المحكمة رأت أن “طلب التفسير لا يتسم بالطابع القضائي الذي يقوم على الادعاء والدفاع وحسم خلاف شاجر بين طرفين، وإنما تباشر المحكمة الدستورية نظر الطلب عندما يقدم لها من الحكومة أو مجلس الأمة لتفسير نص دستوري معين لاستجلاء معانيه ومقاصده، لوجود لبس أو غموض لدى كل سلطة في كيفية تطبيقه وإعمال أثره، وتباين الآراء والأفكار حول ذلك، وليس بلازم أن يصل الأمر إلى حد الخلاف المحتدم أو المنازعة بالمعنى المعروف في قانون المرافعات إذ في ذلك قيد لم يتضمنه نص المادة الأولى من قانون إنشاء المحكمة، بل يكفي أن يدور حول نص دستوري أكثر من رأي، على نحو يغم معه إعمال حكمه، سواء فيما بين مجلس الأمة والحكومة أو في داخل أي منهما، ليسوغ معه الإلتجاء إلى المحكمة الدستورية لتجلية الغموض الحاصل في هذا المجال..”

(القرار الصادر في طلب التفسير رقم (1) لسنة 1985 بتاريخ 29 يونيو1985)

أما بالنسبة للمنازعات المتعلقة بعدم دستورية القوانين، فإن الأمر مختلف تماما، ذلك أن المادة (173) من الدستور قررت “يعين القانون الجهة القضائية التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح، ويبين صلاحياتها والإجراءات التي تتبعها.

ويكفل القانون حق كل من الحكومة وذوي الشأن في الطعن لدى تلك الجهة في دستورية القوانين واللوائح”.

ونلاحظ هنا أن المشرع الدستوري استخدم اصطلاح (منازعات)، والمُنازعة في الخصومة لغة تعني: مُجاذَبةُ الحُجَجِ فيما يتنازع فيه الخَصْمانِ. وقد نازعه منازعة ونزاعا أي جاذبه في الخصومة. والتنازع يعني التخاصم، وتنازع القوم أي اختصموا. (لسان العرب).

أما قانون المحكمة الدستورية فقد نصت المادة الأولى منه على أنه “تنشأ محكمة دستورية تختص دون غيرها بتفسير النصوص الدستورية وبالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين..”.

كما نصت المادة الرابعة منه على أنّ “ترفع المنازعات إلى المحكمة الدستورية بإحدى الطريقتين الآتيتين: ) أ) بطلب من مجلس الأمة أو من مجلس الوزراء.

(ب) إذا رأت إحدى المحاكم أثناء نظر قضية من القضايا سواء من تلقاء نفسها أو بناءً على دفع جدي تقدم به أحد أطراف النزاع، أن الفصل في الدعوى يتوقف على الفصل في دستورية قانون أو مرسوم بقانون أو لائحة توقف نظر القضية وتحيل الأمر إلى المحكمة الدستورية للفصل فيه.

ويجوز لذوي الشأن الطعن في الحكم الصادر بعدم جدية الدفع وذلك لدى لجنة فحص الطعون بالمحكمة الدستورية في خلال شهر من صدور الحكم المذكور وتفصل اللجنة المذكورة في هذا الطعن على وجه الاستعجال”.

أما لائحة المحكمة الدستورية فقد قررت في المادة الثالثة أنه “ترفع منازعات الفصل في دستورية القوانين..”، وقد تكرر استخدام المشرع لاصطلاح “منازعة” في القانون وفي لائحة المحكمة الدستورية.

ونستنتج مما سبق أنه يشترط لتقديم الطعن بعدم دستورية قانون أن تكون هناك “منازعة” كي “تفصل” فيها المحكمة الدستورية، أما إذا انتفت “المنازعة” فإن الطعن يكون غير مقبول شكلا.

وفي طعن مقدم من مجلس الأمة إلى المحكمة الدستورية بعدم دستورية المادة (114) من لائحة مجلس الأمة، دفعت الحكومة أمام المحكمة بعدم قبول الدعوى وأسست دفعها على القول “بأن بحث المسألة المطروحة إنما يتصل بالمقام الأول بتفسير المادة (97) من الدستور ومن ثم فإن وسيلة هذا البحث يكون بطلب تفسير يقدم من مجلس الأمة وفقا للمادتين الأولى والثانية من مرسوم لائحة إجراءات المحكمة الدستورية، كما أن الطلب المقدم من مجلس الأمة إلى المحكمة الدستورية لم ينسب إلى الحكومة أو مجلس الأمة موقفا معينا واضحا في شأن مدى دستورية المادة (114) من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة، وكل ما قيل هو وجود رأيين بين أعضاء المجلس تناولا البحث في مدى دستورية هذه المادة ولم يتضمن الطلب بيان رأي الحكومة، وعلى فرض أن اتجاه الوزراء في هذه المناقشة يتمشى مع رأي معين فذلك لا يكفي وحده لعرض الطلب أمام المحكمة الدستورية في صورة منازعة، وأقصى ما يمكن أن يقال في شأنها أنه- إذا أثبتت الحكومة موقفا محددا دون أن ينضم إليها أعضاء مجلس الأمة المنتخبين- قام خلاف في الرأي داخل مجلس الأمة ولا يتجاوزه إلى المنازعة أو الخصومة بالمعنى المتعارف عليه في فقه قانون المرافعات..”.

وردا على دفع الحكومة، قررت المحكمة الدستورية أن لمجلس الأمة “وفق أحكام المادة الرابعة من قانون إنشاء المحكمة، والمادة الثالثة من لائحتها أن يلجأ إلى المحكمة للفصل في منازعة دستورية والتي يكفي لتوافرها وجود خلاف في دستورية التشريع يدور حوله رأيان في المجلس..”.

أي أن المحكمة هنا تتطلب لتقديم المنازعة بعدم دستورية قانون وجود خلاف في دستوريته.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (2) لسنة 1981 دستوري بتاريخ 11 يوليو 1981)

وحيث أن الحكومة قررت، دون وجود خلاف في الرأي حول مدى دستورية قانون الدوائر الانتخابية، تقديم الطعن بعدم دستوريته خارج نطاق المنازعة، فإن الأمر يقتضي إصدار المحكمة حكمها بعدم قبول الطعن.

(2) انتفاء الجدية والمصلحة في الطعن:

من المقرر قانونا أنه يجب أن يتوفر عنصر المصلحة في أي دعوى ينظرها القضاء، أي مصلحة رافع الدعوى. وقد قررت المحكمة الدستورية في العديد من أحكامها أنه يتعين توفر عنصر المصلحة في الدعوى الدستورية أيضا. كما قررت المحكمة الدستورية في العديد من أحكامها أنه يلزم للفصل في المنازعة بعدم دستورية قانون ما أن تتسم تلك المنازعة بالجدية.

ولا تختلف المنازعة التي تقدمها الحكومة بعدم دستورية قانون ما، من حيث اشتراط توفر عنصر المصلحة ومن حيت اكتسابها عنصر الجدية، عن غيرها من المنازعات، إلا أن المحكمة الدستورية سبق أن قررت في أحد أحكامها أن عنصر المصلحة في حالة الطعن المقدم من الحكومة مفترض، أي أن المحكمة تفترض وجود هذه المصلحة في الطعون التي تقدمها الحكومة دون حاجة للبحث عنها في ثنايا الطعن. والمقصود عموما بعنصر المصلحة هو أن يكون الحكم في المسألة الدستورية ضروريا ولازما. وحيث أننا خلصنا إلى نفي وجود المنازعة أصلا حول قانون الدوائر الانتخابية، فإنه من البديهي أن يؤدي ذلك إلى نفي وجود عنصر المصلحة، فهذه المصلحة تدور في فلك المنازعة، ومتى ما انتفت المنازعة أصلا انتفى معها عنصر المصلحة بشكل تلقائي بما يضحى معه الطعن بعدم الدستورية غير منتج.

أما بالنسبة لتقدير جدية الطعن الحكومي بعدم الدستورية، فلم نتمكن من العثور على رأي سابق للمحكمة الدستورية في هذا الشأن، وهو الأمر الذي يدفعنا إلى تبني القاعدة العامة المقررة للطعون بعدم الدستورية التي تشترط توفر الجدية. والمقصود بجدية الطعن هو ألا يكون الهدف من الطعن التسويف أو اللدد في الخصومة أو إضاعة الوقت. ولعله لا يخفى على كل فطين أن الحكومة لم تلجأ إلى المحكمة الدستورية إلا بغرض التحايل السياسي، لا دعما للشرعية ولا صونا للدستورية ولا بحثا عن عدالة ولا تكريسا لمساواة ولا تعزيزا لتكافؤ الفرص.

وقد سبق للمحكمة الدستورية أن نظرت في طعن تقدمت به الحكومة بعدم دستورية نص المادة (19) المستبدلة بموجب المادة الأولى من القانون رقم (26) لسنة 2006 بتعديل بعض أحكام القانون رقم (47) لسنة 1993 في شأن الرعاية السكنية، وفي حكمها الصادر في هذا الطعن أوضحت المحكمة أن المصلحة في الطعن المباشر الذي تقدمه الحكومة بعدم دستورية القوانين مفترضة، إلا أنها استدركت بقولها “لاسيما إذا تعلق الأمر على مثل وضع الطعن الماثل والمقام من الحكومة بعدم دستورية نص تشريعي في قانون سبق لها الاعتراض عليه ابان الاقتراح به فوافق عليه مجلس الأمة ثم تم إعادته إليه لإعادة النظر فيه فأقره المجلس للمرة الثانية بالأغلبية المطلوبة فوجب إصداره، وبالتالي تقوم لها ومن بعد صدوره مصلحة في الطعن عليه وطلب إبطاله”.

(الحكم في الطعن رقم (13) لسنة 2006 دستوري الصادر بتاريخ 12 يونيو 2007)

وبإنزال ضوابط المحكمة الدستورية في شأن عنصر المصلحة في الطعن الحكومي على طعنها الأخير بعدم دستورية قانون توزيع الدوائر الانتخابية، فإنه يتضح أن هذا القانون كان في أصله مشروع تقدمت به الحكومة إلى مجلس الأمة، وشاركت في التصويت بالموافقة عليه ثم صدر وفقا للدستور، وقامت الحكومة بتنفيذ أحكامه في الانتخابات التي جرت في الأعوام 2008، 2009، 2012 دون أي اعتراض منها. وبمراجعة الظروف والأوضاع السياسية السابقة لتقديم الطعن، يتضح لنا بجلاء أن ظاهر هذا الطعن استخدام الحق ودعم الدستور، لكن باطنه وحقيقته تسويف ومماطلة وعبث بنصوص الدستور وإقحام للمحكمة الدستورية في المنازعات والخصومات السياسية في محاولة من الحكومة للحصول على غطاء قضائي من أجل الانفراد بوضع قانون جديد للدوائر الانتخابية، وهو ما يعني في نهاية المطاف أن هذا الطعن لا يتسم بالجدية ولا تتوفر فيه المصلحة، فضلا عن انتفاء المنازعة أصلا.

ولعله من المهم جدا الانتباه إلى أن المحكمة الدستورية تتبنى قاعدة استقر رأيها على إعمالها دائما، وهي ذات صلة بعنصري المصلحة والجدية، وهي قاعدة “قرينة الدستورية”، فقد استقر رأي المحكمة الدستورية على أن “الأصل هو سلامة التشريع، وقرينة الدستورية قائمة مفترضة لصالح التشريع..”. كما استقر رأي المحكمة على أن “الأصل في القضاء الدستوري هو قرينة الدستورية، وهو ما يعني أن الأصل في التشريعات أن تأتي متفقة مع الدستور ما لم يثبت بجلاء مخالفتها للدستور، وأن النصوص القانونية إنما تحمل على الصحة ما لم يثبت ما ينقض هذه القرينة بدليل قطعي يكون بذاته نافيا- على وجه الجزم- لدستورية النص المطعون فيه..”.

(القاعدة السابقة مستقرة في أحكام المحكمة الدستورية، أنظر على سبيل المثال الحكم الصادر في الطعن رقم (1) لسنة 1994 دستوري بتاريخ 17/5/1994، والحكم الصادر في الطعن رقم (10) لسنة 2004 دستوري بتاريخ 3/11/2004)

وتأتي القاعدة السابقة انسجاما مع الفكرة القائلة بخطورة القضاء بعدم دستورية تشريع ما، وقد سبق للمحكمة الدستورية أن قررت أن المشرع حين أسند الفصل في دستورية القوانين إلى المحكمة الدستورية إنما كان ذلك نتيجة تقديره “لخطورة النتائج التي تترتب على القضاء بعدم دستورية التشريع”.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (1) لسنة 1979 دستوري بتاريخ 12/5/1979)

وترتيبا على خطورة القضاء بعدم دستورية التشريع، ودعما لقرينة الدستورية، عمدت المحكمة الدستورية إلى تبني منهجا متشددا في قبول الطعون بعدم دستورية القوانين، ويظهر هذا التشدد في إطار إجراءات الطعن وشروط اتصال المحكمة الدستورية به. وفي شأن الإجراءات، فقد قررت المحكمة الدستورية في العديد من أحكامها أن ولايتها “في نظر الدعوى الدستورية والفصل فيها لا تقوم إلا باتصالها بالدعوى اتصالا مطابقا للأوضاع المقررة قانونا” وأن “هذه الأوضاع الإجرائية متعلقة بالنظام العام باعتبارها شكلا جوهريا تغيا به المشرع مصلحة عامة حتى ينتظم التداعي في المسائل الدستورية بالإجراءات التي رسمها..”.
(الحكم الصادر في الطعن رقم (2) لسنة 1989 دستوري بتاريخ 20/6/1989)

أما بالنسبة لتشدد المحكمة الدستورية في شأن توفر عنصر المصلحة المباشرة في الطعن، فقد قررت المحكمة “حيث أن هذه المحكمة جرت في قضاء مضطرد على وجوب توفر المصلحة في الدعوى الدستورية بحسبان ذلك شرطا لا غنى عنه لقبولها.. ولا تعد المصلحة متحققة بالضرورة على محض مخالفة النص التشريعي المطعون عليه للدستور فحسب، إذ لا تكفي المصلحة النظرية..”.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (13) لسنة 2005 دستوري بتاريخ 5/2/2006)

وبالبناء على ما سبق، يمكن القول أن المصير القانوني الثاني للطعن الحكومي هو عدم قبوله شكلا إما لانتفاء المنازعة أو لانتفاء الجدية أو لانتفاء المصلحة.

ثالثا: المساواة الحسابية ليست معيارا للحكم بعدم دستورية تشريع

ومع كل ما سبق، وإذا افترضنا توافر الشروط القانونية لاختصاص المحكمة الدستورية ولقبول الطعن الحكومي من حيث الشكل، فإنه ليس في قانون توزيع الدوائر الانتخابية المطعون به ما يخالف الدستور، لا من جهة التوزيع الجغرافي ولا من جهة عدد الأصوات التي يملكها الناخب، وبيان ذلك كله فيما يلي:

تزعم الحكومة في بيان أسباب الطعن بعدم دستورية المادة (1) من قانون توزيع الدوائر الانتخابية، أن التفاوت بين أعداد الناخبين في الدوائر الخمس يتعارض مع مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص بين الناخبين. وأن هذا التعارض يؤدي إلى عدم دستورية المادة المشار إليها.

وقبل بيان ضعف حجة الحكومة وتهاويها، نوضح أن القوانين هي أداة لتنظيم العلاقات بين الأفراد بعضهم ببعض وبينهم وبين الدولة، وأن القوانين تنظم كيفية استعمال كل من يخضع لأحكامها لحقوقهم وكيفية أداء واجباتهم. وإذا خصصنا الحديث عن قانون الدوائر الانتخابية سنجد أن هذا القانون، في المادة الأولى منه، يقسم الكويت إلى (5) دوائر انتخابية وفق جدول مرافق للقانون، وبالطبع فإن تحديد (عدد) الدوائر لا يثير مشكلة دستورية إطلاقا، وإنما تزعم الحكومة أن الخلل يكمن في الجدول المرافق.

وبالرجوع إلى الدستور نجد أنه لم يتضمن ثمة ضوابط محددة يتعين الالتزام بها عند تحديد الدوائر الانتخابية باستثناء وجوب أن يتم هذا التحديد بقانون، ويأتي خلو الدستور من ضوابط تحديد الدوائر الانتخابية منسجما مع واقع الكويت السياسي، فالنظام السياسي لا يقوم على أساس المحاصصة بين الفئات أو الطوائف حتى يأتي الدستور ليضمن حقوق تلك الفئات أو الطوائف، كما أنه ليس في الكويت أقاليم تتمتع بالحكم الذاتي أو بالإدارة الذاتية كي يضمن الدستور حقوق سكانها، كما أن الكويت دولة بسيطة لا مركبة كالولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه لا توجد في الكويت أقليات يسعى الدستور إلى تنظيم وضعها السياسي. غاية الأمر أن تنظيم آخر قسم الكويت إلى محافظات ست، أي ما يسمى بالتقسيم الإداري، وليس لهذا التقسيم الإداري دلالة خاصة، فهو لا يعتمد على حدود جغرافية طبيعية، ولا هو تحديد لولايات أو أقاليم مستقلة ذاتيا.

كما أنه لا يوجد في الكويت، في إطار النظام السياسي والدستوري، أي تمييز إثني أو ديني أو طائفي أو عرقي أو قبلي أو حتى طبقي، بل ينتظم الجميع تحت مظلة المواطنة الدستورية. ومن هنا حرص المشرع الدستوري في المادة (108) من الدستور على الأخذ بقاعدة أن عضو مجلس الأمة يمثل الأمة بأسرها ولا يمثل الناخبين في دائرته فقط.

ولا يعني ما سبق أن توزيع الدوائر الانتخابية في الكويت يتم دون مراعاة أية اعتبارات، بل يظهر الواقع أن هذا التقسيم يسعى إلى مراعاة وجود تمثيل لكافة فئات المجتمع، فالمشرع يحرص على توزيع يتيح لجميع فئات المجتمع، بدرجات متفاوتة الحصول على فرصة التنافس والتمثيل في البرلمان، إلا أن هذه المراعاة وذاك الحرص لا يظهران بشكل رسمي. وفي جميع الأحوال تأتي تلك المراعاة في إطار السياسة التشريعية واعتبارات الملاءمة والسلطة التقديرية للمشرع التي لا تخضع، من الناحية القانونية، لرقابة المحكمة الدستورية بل تخضع لرقابة سياسية صارمة من قبل الرأي العام. وعلى ذلك، فإنه ليس من المقبول دستوريا القول بأن توزيع الدوائر الانتخابية يجب أن يراعي حقوق فئة التجار أو الشيعة أو السنة أو القبائل الكبيرة أو القبائل الصغيرة، وإنما هذه مسألة سياسية تخضع لتقدير المشرع العادي.

ومن هنا فإن الحديث عن “المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص” في توزيع الدوائر الانتخابية يبقى حديثاً سياسياً لا دستورياً، إذ لا تستطيع المحكمة الدستورية أن تبحث مدى دستورية توزيع الدوائر الانتخابية على غير أساس المواطنة الدستورية أو بحثا عن “العدالة السياسية”. بمعنى أنه لا يستطيع أي شخص ولا الحكومة الطعن بعدم دستورية توزيع الدوائر الانتخابية لأنه يمنح أي فئة في المجتمع مقاعد أقل أو أكثر من نسبتهم في المجتمع.

أما الحديث عن العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بسبب التفاوت بين أعداد الناخبين في الدوائر الخمس، فإنه حديث يفتقد إلى الأساس الدستوري السليم، ذلك أن البحث عن مدى مراعاة التوزيع لتلك الاعتبارات ليس مسألة حسابية بحتة، أي لا يكفي أن يقال إنه بما أن عدد الناخبين في الدائرة الخامسة يبلغ 118461 ناخبا، في حين أن عددهم في الدائرة الثانية يبلغ 47772 ناخبا، فإن هذا التوزيع يجافي العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. فالبحث عن المساواة والعدالة الرقمية أو الحسابية ليس هو الأساس الذي تبنى عليه قاعدة دستورية القوانين، وإنما العبرة أو المقياس هو ما إذا كان القانون يميّز أو يفرّق بين حقوق الناخبين أو المرشحين رغم تماثل مراكزهم القانونية. فالدائرة الانتخابية في الكويت لا تمثل فئة أو طائفة أو إقليم أو أقلية أو طبقة في المجتمع، إنما هي تمثل تجمعاً سكانياً، وليس كياناً سياسياً، رأى المشرع، لاعتبارات تتصل بالسياسة التشريعية والملاءمة، اعتباره دائرة انتخابية.

وبالتالي فإنه لا يسع الادعاء بوجود تمييز أو إخلال بالمساواة أو العدالة أو تكافؤ الفرص لمجرد تفاوت أعداد الناخبين في الدوائر الانتخابية المختلفة. فالدائرة الانتخابية بحد ذاتها كما أشرنا ليست كيانا سياسيا ولا هي تمثل جماعة سياسية، وبالتالي فإنه لا يجوز منح الدائرة الانتخابية ذاتها حقوق دستورية، وإنما الواجب هو بحث حقوق كل من الناخب والمرشح في الدوائر الخمس وبيان ما إذا كان هناك تمييزا أو تفرقة بينهم أو ما إذا كانت اعتبارات العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص متفاوتة في الحقوق الممنوحة لهم.

وباستعراض التنظيم القانوني الوارد في قانون الدوائر الانتخابية، يتضح أن المشرع قرر في المادة (2) من القانون أنه “تنتخب كل دائرة عشرة أعضاء للمجلس، على أن يكون لكل ناخب حق الإدلاء بصوته لأربعة من المرشحين في الدائرة المقيد فيها…”.

ومن هذا النص يتبين أنه لا يوجد تمييز أو تفاوت في حق الناخب في انتخاب أربعة من المرشحين في دائرته، فهذا الحق مقرر لكافة الناخبين في الدوائر الخمس، ولا أهمية، عند ممارسة هذا الحق، للعدد الإجمالي للناخبين.. أي أن حقوق الناخبين متساوية في الدوائر الخمس.

أما عن حقوق المرشح، فإن قانون الدوائر الانتخابية لم ينظمها، بل هي منظمة بموجب القانون رقم (35) لسنة 1963 في شأن انتخابات أعضاء مجلس الأمة. ولعل أهم ما في هذا التنظيم أنه أجاز لكل من هو مقيد في جدول الناخبين ترشيح نفسه في أي دائرة وليس في الدائرة المقيد في جدولها، وهذا يعني أن القانون يمنح المرشح حق اختيار الدائرة التي يرغب في ترشيح نفسه فيها، وبالتالي له أن يختار الدائرة التي يرى أن فرصته في الفوز فيها أفضل من غيرها. ولو كان القانون يلزم الترشيح في دائرة قيد المرشح في جداول الناخبين لأمكن القول بأن هناك إخلالاً بمبدأ المساواة إذا وضعنا في الاعتبار تفاوت أعداد الناخبين وهو تفاوت يترتب عليه تفاوت العدد اللازم للنجاح في الانتخابات بين دائرة وأخرى. بمعنى آخر، فإن للمرشح أن يختار الدائرة التي يرغب في الترشيح فيها صغيرة كانت أم كبيرة. وبما أن هذا الحق في اختيار الدائرة مقرر لجميع المقيدين في جداول الانتخاب أيا كانت الدائرة، فإنه لا مجال للقول بوجود مخالفة دستورية.

فضلا عن ذلك، فإن القانون، سواء قانون الانتخابات أو قانون الدوائر، لم يتضمن أي تمييز في شروط القيد في الجدول الانتخابي، فشروط قيد الناخب في الدائرة الأولى هي ذات شروط قيد الناخب في الدائرة الخامسة وهكذا. كما أن شروط ممارسة حق الانتخاب هي ذاتها بالنسبة لجميع الناخبين. كما أن شروط الترشيح لا تفرق بين الترشيح في هذه الدائرة أو تلك.

وإذا خلصنا إلى أن حقوق الناخب وحقوق المرشح واحدة في جميع الدوائر الانتخابية، فإنه لا مجال، من الناحية الدستورية وليس السياسية، لقبول فكرة مخالفة التوزيع الحالي للدوائر الانتخابية للدستور، فليس ثمة إخلال بالحقوق أو بمبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

ومع ذلك، فإننا نسأل السؤال التالي: ما المقصود “بالمساواة وبتكافؤ الفرص وبالعدالة”؟

إذا افترضنا أن الاختلاف في أعداد الناخبين بين الدوائر الخمس يشكل شبهة مخالفة دستورية، فإن الأمر يتطلب معرفة ماذا يعني مبدأ المساواة الذي تزعم الحكومة أن التوزيع الحالي للدوائر الانتخابية يتعارض معه. لحسن الحظ، فقد سبق للمحكمة الدستورية أن تناولت بالشرح المفصل وفي أكثر من مناسبة مبدأ المساواة، إذ قررت:

“وحيث إن مبدأ المساواة لدى القانون يعد ركيزة أساسية للحقوق والحريات جميعا، ودعامة من دعامات المجتمع، وميزانا للعدل والإنصاف، وقيدا في ذات الوقت على المشرع لا يتعداه فيما يسنه من الأحكام، والمقصود بهذا المبدأ هو ألا يفرق القانون بين الناس فلا يحرم أحدا شيئا من الحقوق، ولا يقيل أحدا من الواجبات العامة، أو يضعه في أي الأمرين موضعا خاصا، بل يعتبر الجميع في ذلك بمنزلة سواء، لا تفرقة بينهم أو تمييز، وهذا المبدأ غايته صون هذه الحقوق والحريات في مواجهة صور التمييز وأشكاله التي تنال منها، سواء كان ذلك بإنكار أصل وجودها أو بتعطيلها أو الانتقاص من آثارها بما يحول دون ممارستها أو مباشرتها أو الانتفاع بها على قدم من المساواة بين أصحابها، لذا فقد حرص الدستور على النص في المادة (29) منه على أن (الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين)… ومن ثم يكون مجلس الخدمة المدنية في هذا الصدد قد أقام التفرقة بين الذكور والإناث، وأقام تمييزا تحكميا منهيا عنه على أساس من الجنس، على نحو تتنافر به المراكز القانونية المتماثلة والمتحدة خصائصها، مخالفا بذلك مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (29) من الدستور، مما يتعين معه القضاء بعدم دستورية النص الطعين.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (17) لسنة 2006 (دستوري) بتاريخ 23 سبتمبر 2007)

كما قررت المحكمة “وحيث أن هذا النعي مردود ذلك بأن مبدأ المساواة الذي يعد من الدعامات الأساسية للمجتمع، ويكفل للمواطنين عدم التفرقة بينهم أمام القانون في الحقوق والواجبات العامة وفقا لما تنص عليه المادتان (7) و(29) من الدستور، مؤداه عدم التمييز التحكمي بين أصحاب المراكز القانونية الواحدة، والأصل فيه كذلك عدم معاملة فئات المواطنين على ما بينهم من تفاوت في مراكزهم القانونية معاملة قانونية متكافئة، فهو يقوم على افتراض تماثل المراكز القانونية في نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعي الواحد ومعاملتها على ضوء قاعدة موحدة لا تفرق بين أصحابها بما ينال من مضمون الحقوق التي يتمتعون بها أو يميز بينهم في الواجبات المفروضة عليهم قانونا… لما كان ذلك.. وفق أسس موضوعية موحدة تنأى به عن التمييز المنهي عنه بين المخاطبين بأحكامه”.

(الحكم الصادر في الطعن رقم (15) لسنة 2006 “لجنة فحص الطعون” بتاريخ 18 مارس 2007)

وقررت أيضا “.. ذلك بأن مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون المنصوص عليه في المادة (7) من الدستور مؤداه النهي عن التمييز التحكمي بين أصحاب المركز القانوني الواحد، والأصل فيه كذلك عدم معاملة فئات المواطنين على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، إلا أن هذا المبدأ لا يقوم على معارضة صور التمييز جميعها، لأن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية، فكلما كان القانون مغايرا بين أوضاع أو مراكز أو أشخاص لا تتحد واقعا فيما بينها وكان تقديره في ذلك قائما على أسس موضوعية مبتغيا تحقيق أهداف لا شبهة في مشروعيتها، وكافلا وحدة القاعدة القانونية في شأن أشخاص تتماثل ظروفهم بما لا يجاوز متطلباتها، كان القانون واقعا في إطار السلطة التقديرية التي يملكها المشرع ويعتبر تمييز القانون في هذه الحالة مبررا لا ينال من مشروعيته الدستورية، وإن كانت المساواة التي توخاها وسعى إليها لم تبلغ حسابيا مبلغ الكمال..”

الوسوم:, , , , , , , , , , , , , , , , , ,

اترك رداً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *